حركة 8 شباط 1963 هي حركة
مسلحة اطاحت بنظام حكم رئيس الوزراء في
العراق العميد
عبد الكريم قاسم ، فهي حركة كما يسميها الباحثون المحايدون و
ثورة كما اسماها قادتها ومؤيدوها،
وانقلاب كما اسماها معارضوها . بعد فترة زمنية قليلة من نجاح تنظيم
الضباط الوطنيين "او الاحرار" في العراق من الاطاحة بنظام
الحكم الملكي وتحويل نظام الحكم في العراق إلى النظام الجمهوري في عام
1958. بدآت بوادر الخلافات بين الأحزاب والقوى
السياسية و الضباط الوطنيين او "الاحرار" حيث كانت
القوى القومية بزعامة العقيد
عبد السلام عارف و
حزب البعث تنادي إلى الوحدة الفورية مع
الجمهورية العربية المتحدة ، في محاولة لخلق حالة من التوازن السياسي حاول
الحزب الشيوعي العراقي الذي كان معارضا لفكرة الوحدة إلى طرح
فكرة التعاون مع الجمهورية العربية المتحدة في المجالات
الاقتصادية والثقافية والعلمية بدلا من الوحدة السياسية و العسكرية الشاملة.
تدريجيا ساءت علاقات
عبد الكريم قاسم مع بعض زملائه من اعضاء تنظيم الضباط الوطنيين او الاحرار ثم تعكرت علاقته مع التيارات الوحدوية والقومية التي لعبت دورا فاعلا في دعم حركة 1958 . اما التيارات المتصارعة في
للحزب الشيوعي العراقي فكانت طامحة للتحالف مع العميد عبد الكريم قاسم والتي كانت تمتد علاقتها معه منذ امد بعيد حيث اعتقد قاسم ان بعض حلفاءه الشيوعيون أصبحو قاب قوسين أو أدنى من الوثوب إلى الحكم ، وخاصة بعد تزايد نفوذ الحزب
الشيوعي بعد ذلك الشعار التي كان يردده الكثير من الشيوعيين ومؤيدي الحكومة في إحدى المسيرات :
عاش الزعيم عبد الكريم ، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم وجعلته يصمم منذ ذلك اليوم على تحجيم
التيار الشيوعي المتحفز لقلب نظام الحكم وتقليم أظافره فقام بسحب
السلاح من
ميليشيا الحزب واعتقال معظم قادتها الا انه ابقى على التيار الموالي له وكان من قياداته العميد الطيار جلال الدين الاوقاتي قائد القوة الجوية والمقدم فاضل عباس المهداوي ابن خالة قاسم . وتوالت التغييرات السياسية في العراق في تلك المرحلة الحرجة بسرعة بالغة وإنتهى حكم
عبد الكريم قاسم في 8
فبراير/ شباط 1963 حيث انتهى حكمه بأعدامه من خلال محكمة صورية عاجلة في دار الأذاعة في
بغداد وسارع قادة الحركة إلى عرض جثته على شاشة
التلفزيون في نفس اليوم.
الدوافع المسببة لانطلاق الحركة بدأ الصراع بين قاسم وفرقاءه من أعضاء تنظيم الضباط الوطنيين "اوالاحرار" والشخصيات السياسية الفاعلة في الساحة السياسية من مختلف التيارات بسبب بعض الإجراءات التي اتخذها عبد الكريم قاسم منها تفرده في السلطة وفرضه لهيمنة العسكر والحزب الشيوعي على الوزارة والسياسة العراقية، حيث منح صلاحيات واسعة للتيارات اليسارية من
الشيوعيين المعارضين لتطبيق الأحكام الإسلامية في القانون العراقي والذين كانوا وراء اصدار قانون الاحوال الشخصية الذي شجبته المراجع الدينية، وكذلك ابتعاد قاسم عن ما اتفق علية فيما سمي بالميثاق الوطني لتنظيم الضباط الوطنيين "او الاحرار" (راجع تفاصيل الميثاق في مقال تنظيم
الضباط الوطنيين) لانضمام العراق للاتحاد العربي المسمى
الجمهورية العربية المتحدة، وبدلا عن ذلك دخل قاسم في عداء مع اغلب الدول العربية خصوصا المحيطة بالعراق وتوج اجرائاته بالغاء عضوية العراق من الجامعة العربية. وكذلك الاضطرابات التي حدثت ابان حكم قاسم بسبب حملات اعدام بعض قادة تنظيم الضباط الوطنيين "او الاحرار" والاحداث المؤسفه التي قامت بها المليشيات الشيوعية في الموصل وكركوك، علاوةً على انتفاضة
الأكراد في سبتمبر/ايلول 1961 وضربهم بقسوة، مما ادى إلى إضعاف أكثر للهيمنة المركزية لقاسم على حكم العراق. كما كانت لمطالب لقاسم في ضم الكويت للعراق سنة 1961 اثره في زعزعة السياسة الخارجية واظهاره بمظهر المتخبط.
كان تنظيم الضباط الوطنيين عبارة عن خلايا وتجمعات مستقلة توحدت عام 1957 وتاسست أول خلية عام 1949 بعد حرب فلسطين، اسسها رفعت الحاج سري الدين، وكان قاسم ينتمي إلى خلية في معسكر المنصورية في ديالى جلها من الضباط ذوي الاصول الفلاحية او الفقيرة ومن المنتمين للتيارات الشيوعية في زمن كانت للطبقة والبيوتات العائلية والقبلية تلعب دورا وهيمنة على المجتمع. فتاثر قاسم بالتجربة الاشتراكية والشيوعية التي لاتعير اهتماما للتطلعات الدينية ولا القومية. وفي الطرف الاخر كان اغلب تنظيم الضباط الوطنيين ينتمون إلى حركات التحرر التي تنادي بالوحدة العربية. لاسيما بعد تاجيج المشاعر القومية على اعقاب ثورتي رشيد عالي الكيلاني ضد الانكليز عام 1941 وثورة يوليو تموز في مصر وما تبعها من اجراءات رات فيها الجماهير ضرب للمصالح الاستعمارية كتاميم قناة السويس وقيام الاتحاد العربي المسمى بالجمهورية العربية المتحدة.
تحول صراع الايديولوجيات بشكل تدريجي إلى صراع مسلح بين الفر قاء، وبدأت سلسلة من المحاولات من الجانبين لفرض المواقف فبعد ان أحس بعض رفاق سلاح عبد الكريم قاسم في تنظيم الضباط الوطنيين "او الاحرار" ومعهم شخصيات من
التيار القومي وحزب البعث بان عبد الكريم قاسم يمارس معهم عملية اقصاء وما اسموه بعدم تنفيذه لما اتفق عليه قبل حركة 14 يوليو/ تموز وانفراده بالحكم، شجع ذلك عضو التنظيم العقيد عبد الوهاب الشواف بالقيام محاولة إنقلاب عسكرية عرفت بإسم حركة العقيد
عبد الوهاب الشواف في الموصل في 8 مارس/ ايار 1959، والتي إخمدها العميد عبد الكريم قاسم بقسوة حيث قتل واعدم منفذيها. وتلا ذلك إستهداف قاسم من قبل حزب البعث في 7 أكتوبر/تشرين 1959 حيث تعرض عبد الكريم قاسم إلى محاولة اغتيال سببت له إصابات بليغة في كتفه، وبعد سلسلة من الاعتقالات والمداهمات اطلق قاسم شعاره
عفا الله عما سلف.
وفي تأريخ تلك المرحلة وقعت ثلاثة أحداث مثيرة للجدل، وهي ما أشيع من قبل حكومة عبد الكريم قاسم عن اكتشاف محاولات قلب نظام الحكم والتي لم يتأكد من صحتها بالوثائق اثناء المحاكمات التي عقدت بشأنها ولا بعد ذلك اضافة إلى تقديم المشتكين لوثائق اخرى تثبت برائتهم مما اثار سخط الرأي العام في حينه حول ما اسموه الدواعي وراء تلفيق التهم لقادة حركة 14 يوليو/ تموز او الرموز الوطنية الأخرى.
فالحدث الاول الذي اثار جدلاً كبيرا امام
الراي العام هو ما اشاعته الحكومة بان عبد السلام عارف حاول اغتيال عبد الكريم قاسم والتي حدثت أثناء اجتماع اعتيادي ضم قاسم وعارف وبعض المسئولين فحين هم عارف بالجلوس اخذ يعدل ملابسه ونطاقه العسكري المتضمن مسدسه العسكري. وفي تلك الفترة كان قاسم ممتعضا من عارف بسبب ازدياد شعبيته لدوره الرئيس في حركة 14 تموز من جهه وزياراته للمحافظات والقاءه للخطب الارتجالية عن دوره في
الثورة وضرورة قيام الوحدة للحفاظ على الثورة من التهديدات البريطانية والإسرائيلية. والتي أثارت امتعاض رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم، لاسيما بعد زيارة عارف لسوريا والتي كانت متوحدة مع مصر في الجمهورية العربية المتحدة، حيث بدأت شعبيته محليا وعربيا تزداد بشكل ملحوظ، من هنا ازدادت مخاوف قاسم الذي اعتقد او استغل تلك الفرصة للتخلص من عارف وابعاده عن الوزارة ومركز القرار. حيث نفى عارف التهمة المنسوبة اليه واستشهد بشهود من الحاضرين في الاجتماع، حيث اكتفى قاسم باعتقاله على عجل ثم اصدر أوامره بتعيينه سفيرا في ألمانيا كونه درس وعاش ذلك البلد قرابة ست سنوات. وبعد عودة عارف من ألمانيا على اثر البرقية التي أرسلتها له عائلته لضرورة مجيئه لمرض والده العضال والذي توفي على اثره، حيث استثمر قاسم هذه الحادثة وقام باعتقال عبد السلام عارف وتقديمه أمام
المحكمة العسكرية العليا الخاصة على الرغم من تقديمه للبرقية وشهادة الشهود من عائلته والتقارير الطبية التي قدمتها عقيلته واخوه عبد السميع للمحكمة إلا أن المحكمة قضت بإعدامه، وظل معتقلا في السجن العسكري رقم واحد بانتظار يوم أعدامه لمدة سنتين. وبعد حادثة فشل الوحدة بين مصر وسوريا "
الجمهورية العربية المتحدة" والتي صرح قاسم بانه دعم قادة الانفصال فيها العميد عبد الكريم النحلاوي والعقيد موفق عصاصة، "لتحرير سوريا من الهيمنة المصرية". فوجد رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم بان الخطر قد زال فاصدر عام 1961 امرًا دون الرجوع للمحكمة بتحويل حكم إعدام عارف إلى المؤبد بصيغة الإقامة الجبرية، حيث بقي عبد السلام عارف معتقلا في منزله حتى قيام حركة 8 فبراير/ شباط 1963 ولم يخلي سبيله رغم مطالبة زملاءه وعائلته ورفاق السلاح. ،وتم تقديم الكيلاني إلى المحكمة العليا الخاصة والتي حكمت عليه بالإعدام برغم تفنيد الكيلاني لهذه المزاعم مطالبا بتقديم وثائق تثبت هذه التهمة مما ادى إلى عدم تنفيذ الحكم ثم أطلق سراحه فيما بعد ونفي إلى
لبنان حيث لاقته المنية عام 1965 في بيروت.
ادى سخط الشارع لما أعتبره
الرأي العام محاولة قاسم وحكومته وحلفائه من الشيوعيين إلى ابعاد جميع الشخصيات الفاعلة والمؤثر في الشارع عن الواجهه السياسية بتلفيق التهم لها او ابعادها عن المسرح السياسي بنقلها إلى وحدات عسكرية بعيدة عن بغداد كما حدث لقادة تنظيم الضباط الوطنيين "او الاحرار"، وعزز هذا الاعتقاد حول الشكوك بصحة هذه التهم هو اعتقاد بعض الباحثين والمؤرخين حول كونهما قصتين ملفقتين لغرض التصفية السياسية حيث لم يتم العثور على اي وثيقة تثبت تورط عارف والكيلاني والطبقجلي باي محاولة انقلابية لا في حينها ولا بعد نشر الوثائق ومحاضر جلسات مجالس الوزراء بعد احتلال بغداد عام 2003.
صراع الايديولوجيات اجمل قادة حركة 18
فبراير 1963 من خصوم ومعارضي قاسم عددا من العوامل التي دفعتها للقيام بالحركة، منها ان حركة او
ثوره يوليو / تموز 1958 هي عمل جماعي منظم جائت وليدة حتمية للضروف الموضوعية التي كان يمر بها
العراق والمنطقة، فقام بها
تنظيم الضباط الوطنيين "او الاحرار" .
الحركة من وجهة نظر عبد الكريم قاسم وحكومته احد اقطاب انشقاق الحزب الذي تسبب باقصاء البعث في حركة 18 نوفمبر/ تشرين 1963.
كان قادة الحركة عبارة شخصيات
قومية وبعض ضباط تنظيم الضباط الوطنيين "الاحرار" أغلبهم من المنتمين إلى
حزب البعث، ومن الأسماء الأخرى القيادية للحركة: طالب شبيب، مسارع الراوي، حمدي عبد المجيد، عبد الستار عبد اللطيف، عبد الكريم مصطفى نصرت،
صالح مهدي عماش،
حردان عبد الغفار التكريتي، منذر الونداوي، عبد الهادي الراوي، رشيد مصلح.
ومن الاحزاب المشاركة في قيادة الحركة:
وهو حزب تأسس في
دمشق عام
1947 من قبل اشخاص سوريين عملوا في مجال الفكر والتدريس الجامعي بين عامي 1945 و1947 متاثرين بثورة ايار / مايو 1941 التي قادها رئيس الوزراء العراقي الاسبق رشيد عالي الكيلاني باشا ضد الانجليز والحكومة العراقية الموالية لهم كاول ثورة ذات شعارات عربية ووحدوية في الوطن العربي. ويعتمد الحزب في ايديولوجيته على شعار توحيد جميع الدول العربية في دولة واحدة بتبني المنهج الاشتراكي. وقد عانى الحزب من ثلاث مشاكل هزت كيانه ومصداقيته، الاولى عدم وجود منهج وبرنامج عمل علمي واضح المعالم يمكن تنفيذ افكاره على الارض فبقي اسير اهدافه التي بقيت شعارات لم تجد من ينفذها على بساطتها ويسر تحقيقها. والثانية، تسلط اشخاص غير مؤمنين بفكر الحزب على قياداته التنظيمية والرسمية بعد توليه السلطة لاكثر من مرة وفي أكثر من دولة عربية. والثالثة، تبنيه اسلوب تنظيم الاحزاب الشيوعية، اشبه بالتنظيمات الاستخبارية منها إلى التنظيمات السياسية، معتمدةً على أكبر قدر من الاستقطاب الحزبي للمنتمين للحزب كما دون التفكير بنوع العناصر وتاثيرها الاجتماعي، مما شجع المغامرين والانتهازيين بتحقيق المطامح الشخصية وعلى احداث انشقاقات مستمرة في الحزب منذ نشأته والى عام 2004 كاخر انشقاق حدث في فرع اليمن. ومن مؤسسي الحزب التاريخيين
ميشيل عفلق او احمد عفلق
وصلاح الدين البيطار واكرم الحوراني. وشعار الحزب هو وحدة حرية اشتراكية. اما في العراق فقد اسس
فؤاد الركابي فرع العراق عام 1957 بعد ان كان خلايا نظمها كل من
سعدون حمادي الذي كان طالبا في الجامعة الاميركية في لبنان وسليمان العيسى وزميله صدقي اسماعيل الذين كانا يدرسان في دار المعلمين العالي "كلية التربية". ثم تبلورت ثلاثة تيارات متنافسة داخله التيار المتشدد بزعامة علي صالح السعدي والتيار المعتدل بزعامة حازم جواد وتيار احمد حسن البكر الذي كان يمثل الجهة الناصحة والمهدئة بين التيارين السابقين .
حزب البعث العربي الاشتراكي مجموعة التنظيمات القومية والناصرية نبذة عن الشخصيات والاحزاب التي قادت الحركة أختار قادة الحركة الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة 8 فبراير 1963 للانطلاق لكون يوم الجمعة يوم عطلة ويمكن تحرك القطعات بسهولة وصادف ذلك اليوم 14 رمضان . وهم كل من العقيد فاضل عباس المهداوي ابن خالة قاسم ورئيس المحكمة الخاصة، والعميد طه الشيخ أحمد، مدير الحركات العسكرية، وقاسم الجنابي سكرتير عبد الكريم قاسم، والملازم كنعان حداد مرافق قاسم الشخصي.
ومن المقاومين خارج وزارة الدفاع العميد جلال جعفر الاوقاتي قائد القوة الجوية وهو احد قياديي الحزب الشيوعي العراقي ومسؤول كبير في مليشيا المقاومة الشعبية. والذي قتل بعد مداهمة مكتبه بعد اصدار بيانات لافراد القوة الجوية ذات صبغة البيانات الحزبية الشيوعية أكثر منها بيانات عسكرية.
في الوقت الذي كان فيه القصف يجري على وزارة الدفاع، سجل عبد الكريم قاسم على شريط مسجل تحت أصوات الانفجارات والقصف خطاب موجه إلى الشعب والقوات المسلحة وأرسله إلى دار الإذاعة مع الرائد سعيد الدوري، حيث سلم الشريط إلى قادة الحركة، كما أن دار الإذاعة كانت قد احتلت من قبل قادة الحركة، ولذلك لم يتسنَ إذاعة الخطاب، وفيما يلي بعض من مقاطعه:
"
إلى أبناء الشعب الكرام، وإلى أبناء الجيش المظفر إن أذناب الاستعمار وبعض الخونة والغادرين والمفسدين، الذين يحركهم الاستعمار لتحطيم جمهوريتنا، يحاربوننا بحركات طائشة للنيل من جمهوريتنا، وتحطيم كيانها. إن الجمهورية العراقية الخالدة، وليدة ثورة 14 تموز الخالدة لا تقهر، نحن نعمل في سبيل الشعب، وفي سبيل الفقراء بصورة خاصة، وتقوية كيان البلاد، فنحن لا نقهر، وإن الله معنا أبناء الجيش المظفر والوحدات، والقطعات، والكتائب والأفراد، أيها الجنود الغيارى، مزقوا الخونة، اقتلوهم، اسحقوهم، إنهم متآمرون على جمهوريتنا ليحطموا مكاسب ثورتنا، هذه الثورة التي حطمت الاستعمار، وانطلقت في طريق الحرية والنصر، وإنما النصر من عند الله، والله معنا، كونوا أشداء، اسحقوا الخونة والغادرين."
ثم يتوقف التسجيل بسبب دوي القصف، ويعاود قاسم مرة أخرى:
"
السلام عليكم أبناء الشعب، أيها الضباط، أيها الجنود، أيها الضباط الصف الأشاوس، أيها العمال الغيارى، إن الاستعمار يحاول أن يسخر نفراً من أذنابه للقضاء على جمهوريتنا، لكنه بتصميمنا، وتصميم الشعب المظفر، فأننا نحن جنود وشعب 14 تموز الخالد الذي وجه الضربات الخاطفة إلى العهد المباد رغم ...(كلمات غير مفهومة بسبب القصف)...، رغم الاستعمار، وحرر أمتنا، واسترد كرامتها، فان هذا اليوم المجيد...(كلمات غير مفهومة بسبب القصف)...، لسحق الخونه والغادرين...(كلمات غير مفهومة)."
صباح يوم 14 رمضان غادر
عبد الكريم قاسم إلى مبنى الوزارة إلى قاعة الشعب القريبة من مبنى الوزارة، تحت جنح الظلام، وكان بصحبته كل من
فاضل عباس المهداوي رئيس المحكمة العسكرية العليا الخاصة، والعميد الركن طه الشيخ أحمد، مدير الحركات العسكرية، وقاسم الجنابي السكرتير الصحفي لعبد الكريم قاسم، والملازم كنعان حداد مرافق قاسم. ومن هناك قام عبد الكريم قاسم بالاتصال هاتفياً بدار
الإذاعة، وتحدث مع
عبد السلام عارف طالباً منه التفاوض للمشاركة في السلطة اوالسماح له بمغادرة
العراق، وفي المحكمة الصورية كرر طلبه وحدد ان يكون سفيراً في تركيا، لكن عبد السلام عارف طلب منه الاستسلام وانه لاعلاقة له مباشرة بالحركة وانه سيكلم قادتها بمطاليبه. عند الساعة الواحدة والنصف من ظهر 9 شباط 1963 . وبعد مداولة صدر حكم الاعدام بحقهم، وقد رفضوا عصب اعينهم حيث تم تنفيذ الحكم من قبل عبد الغني الراوي ومنعم حميد وبعد جدل من قبل قادة الحركة حول عرض صورة رئيس الوزراء من خلال شاشة التلفزيون اتفقوا على عرضها بغية قطع الشك باليقين حول مصيره ومصير اركان حكمه امام الجماهير المترقبة للتطور المتسارع للاحداث.
وتشير جميع الوثائق من محاضر جلسات ولقاءات صحفية ومقابلات مسؤولين محايدين بان حادث اعدام رئيس الوزراء الاسبق
عبد الكريم قاسم ابان حركة 8 فبراير 1963 كانت بقرار من قيادة التيار المتشدد داخل
حزب البعث الذي تزعمه
علي صالح السعدي الذي كان له الدور الفاعل في تغيير نظام الحكم وذلك من خلال المحكمة العاجلة التي تشكلت بعد يوم من الحركة في قاعة الشعب المجاورة لوزارة الدفاع حيث مقر عمل قاسم وبعد اتمام المحاكمة التي لم يعلم بتشكيلها عبد السلام عارف الا بعد انعقادها حيث تم نقل قاسم إلى مقر الاذاعة والتلفزيون فالتحق عارف بقيادة البعث هناك محاولا التوسط لعدم اعدام قاسم. كما تشير الوثائق المحايدة بان عارف طلب من قيادة البعث مقابلة قاسم وتم له ذلك حيث دخل عارف في نقاش وعتب مع قاسم حول تفردة بالسلطة وخروجة عن إجماع تنظيم الضباط الوطنيين "اوالاحرار" وعن تلفيق تهمة محاولة الانقلاب لعارف التي ادت إلى محاكمته ثم سجنه وتشير الوثائق ايضا بان عارف بعد هذا النقاش طلب من قيادة البعث عدم اعدام قاسم والاكتفاء بسجنه الا ان طلبه قد رفض وكان لرفض طلبه الاثر بزرع اولى لبنات الخلاف بين عارف وقيادة البعث التي تفاقمت بعد احداث الحرس القومي التي قادها علي صالح السعدي والتي كانت السبب في قيام عارف بحركته التي سماها التصحيحية في 18
نوفمبر / تشرين عام 1963.
استمرت الاذاعة ببث بيانات التأييد من رؤساء العشائر وعلماء الدين شيعة وسنة ومسيحيين وقادة الفرق البعيدة عن الاحداث والشخصيات السياسية والعامة المعروفة في البلد. والتي كانت تليها اناشيد وطنية عراقية وعربية. حيث اذاع التلفزيون اهداء ام كلثوم لانشودة "ثوار لاخر مدى" إلى عبد السلام عارف والتي انشدتها لقادة الحركة كما سبق وانشدت انشودة "بغداد ياقلعة الاسود" لقادة حركة 1958، حيث لاتعرف مصر سوى عارف من قادة الحركة الجدد.
وفي مساء يوم 9 فبراير / شباط 1963 عرض التلفزيون العراقي فلماً تم تصويره من قبل مراسل احدى وكالات الانباء الاجنبية عن احداث ما سمي ب"قطار السلام" حيث عرض الفلم وقائع مؤلمة لكيفية ما سمي استباحة الموصل وكركوك من قبل مؤيدي الحكومة حيث اقتحموا المنازل وعبثوا بالمحرمات بضمنها حملات الاعدام العشوائي واغتصاب النساء في الشوارع. وتعليقهم بشكل منافي للاخلاق على اعمدة الكهرباء، وسحل الاخرين احياء بالسيارات العسكرية. كما عرض الفلم بعض اعضاء مليشيا المقاومة الشعبية وهم يحطمون المؤسسات العامة وينقلون مناضد المكاتب الحكومية إلى جادة الشوارع ويضعون عليها علم الاتحاد السوفيتي من جهة وصورة رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم من جهة اخرى مع كتابة بالاصباغ "المحكمة الشعبية" حيث جيء بالمئات الذين اصدرت هذه "المحاكم" احكام فورية بالاعدام بمجرد انتمائهم العشائري او الحزبي اومن عارض الذين قاموا باعتقالهم.
وبوفاة العميد عبد الكريم قاسم وافراد نظامه، تكون قد انطوت صفحة ذاقت خلالها شريحة من المواطنين حلاوة الثورة ومنجزاتها، في حين رأت شريحة اخرى بانها ذاقت ويلات حكم وقف الزمن مندهشا امام قراراته وسلوكياته.
نجاح الحركة وتشكيل المجلس الوطني لقيادة الثورة والوزارة الجديدة بعد تسعة أشهر من الحكم وبسبب عدم خبرة
البعثيين من سياسيين وعسكريين في شؤون الحكم ولصغر سن اغلبهم بدأت بوادر الاختلاف على الزعامة تلوح في الافق . كما اعفى الكثير من اعضاء حزب البعث الذين تم اعتقالهم والتحقيق معهم عدا من ارتكب جرائم جنائية واحيل للمحاكم المدنية.